مجلة أدبية ثقافية

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

أحلام مسافره $$ للأديب والشاعر / نور شحادة

_____________________أحلام مسافره__________
أحسَّ بوعكةٍ صحية وهو يدخلُ إلى المقبرةِ جعلته مترنِّح في مشيتهِ يمينا ويسارا ......... بان رث الثياب محمر العينين كأنه عاد للتو من عالم الأموات ...... كان يدفع المشيِّعينَ بعنف كي يفسح المجالَ للرجال الذين يحملون الميتَ على اكتافهم ...... توقف المطرُ وهدأت العاصفةُ بدت خاوية زرقاءٌ ............... مال إلى الاعتقاد بأنها لن تمطرَ بعد اليومِ ...... أحسَّ بأن وضعه الصحي بدأ يتحسنُ عندما رأى بعضَ الوجوهِ من أبناءِ قريتهِ ...... مِمَّن لا زالَ يحملُ معهم ذكرياتَ طفوله .... سارعَ في خطواته ليصلَ إلى كومةِ الترابِ ... وأخذَ له وقفةً خطابية بجانب القبر .......... التفتَ إليهِ الجميعُ بنظراتٍ تملؤها الغرابةُ ... وعدمِ التصديقِ ........ كان يقفُ شامخًا يتكئُ على عُكازه الطويلُ المصنوع من خشب السنديانِ ......... لم يتكلم منذ أعوامٍ وأعوامٍ وهو يعتكفٌ في صومعتهِ خلفَ التلة الغربية التي تطلُ على السهولِ المتراميةِ الأطرافِ في وطن الهلال ....... خرَق الصمتُ صوتَهُ مجلجلا عاليا ........... هذه عباءةُ أبي ...... أردها إليه اليوم مع ابني الشهيد الذي قتل في سبيل تحقيق حلمه الأبدي ........ قالها وهو يقذفَ عباءته البيضاء في غياهبِ القبر ويصرخ باكيا ...... لَملم ما تبقى من قواه وانسل من بين المشيعين إلى خارجِ المقبرة ....... تعرّق جبينهُ واصطكّت مفاصلُ جسمهِ ........ وقبل أن يتمالك روعه أدرك أنه أصبح داخل صومعته على رأس التلة الغربية ........... جلس ينظرُ إلى الناحيةَ الشرقية حيث قريته المعزولة عن الدنيا ....... لم يلحظ بها أي تغير يُذكر ...... رآها ما زالت بفقرها المدقع ..... وإمكانياتها المحدودة تقبع في الظلام ..... في السماء .... بدا قرص الشمسِ يميل إلى الغياب ....... تحوّل نظره إلى الجهة الغربية ....... بدت الشمس تغيبُ رويدا عن مدينةِ الغرباءِ الذين جاؤوا من الا مكان ..... وانتزعوا الأرض الغربية من أصحابها عنوة سكنوا ||||||||||||
بدأت الأنوارُ تشق بيوتها معانقة للسماء ...... كأنها نهارها الليلي .... وكأن الشمس قد تركت لها أشعتها بعد أن غرقت في بحر الظلمات .... قطاراتها الضخمةُ ما زالت تتحرك حركة سريعة .... مثل أول النهار .... وصوت الصخب يخرج من أركانها يضج .... علت محياه ابتسامة ....... راح يتذكر الماضي .... في ريعان شبابه ....... عندما تسلل على أطراف أصابعه ليصل إلى مخدع والده .......بعد أن تأكد أنه يغطّ في نوم عميقٍ ... تراجعَ خطوات إلى الخلف ...... ودخل إلى الغرفة المجاورة ...... حيث والده لا زال يحتفظُ بالكثير من الكتب ورثها عن جده الذي أمضى عمره وهو يعمل مدرسِ ......... أضاءَ المصباح وراح يجلس على مقعدٍ ..... يقرأ رواية موسم الهجرة إلى الشمال ...... لقد حلم منذ صغره أن يسلك درب التعليم مثل جده ........ جذبته حضارةُ الغرب وأراد أن يتعرف على تجارب الآخرين الذين لامسوا هذه الحضارة ...... غالبه النعاسُ وطغى عليهِ النومُ غفي .... وهو يحتضن الكتابُ على صدرهِ ........ في الصباح ثارت ثائرةُ والده وأصرَّ على حرقِ جميعِ الكتب في المكتبة ....... كلُّ الأمورِ ستبدو مختلفة عليك بني بعد الزواج ...... قالها وهو ينعم النظر في ألسنةِ اللهب المرتفعة منها ... على الرغم من أنه أمّي ...... إلا انه كان مقتنع بصحة هذه النظرية الاجتماعية التي ابتكرها عقلهُ الباطني المتشبث بالعيش هنا والبقاء ......كان يؤمن بأن على أفراد القرية أن يتكاثروا بسرعةٍ .... إلى أن يحين موعد استرداد الأرض الغريبة |||||||||||||
في يوم عرسه ....... ألبسهُ والده عباءته وطالبه أمام الجميع بالحفاظ عليها والسير على نهجها ........ بعد سنة من الزواجِ رُزقَ بطفلٍ جميل .........كان في الواقع يكادُ لا يقوى على البقاء خارج صومعته وهو ينتظر عودته بعد غربة ....... أصرّ جده على إرساله لها كي يتعلم ويصبح عالما فيزيائيا .... ليعود في تابوت خشبي محمولا على أكتاف المرابطين ....... اشتد البردُ وهو لا زال يراقب قريته القابعة في ليلها الأبدي ...... كانت لا زالت المدينة الغربية باضوائها الصاخبة تسكنُ هناك ...... في تلك اللحظة تمنى لو يستعيد ... قوته .... وشبابه ... وجرأتهُ ... ليعود إلى قبر ابنه ... علّهُ يسترجع عباءته ليتدثَّر بها من البرد ... بـقــلــمـــــــــــي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق